أحمد زكي صفوت
374
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
لقائدها ، إن المصباح لا يضيء في الشمس ، ولا تنير الكواكب مع القمر ، ولا يقطع الحديد إلا الحديد . ألا من استرشدنا أرشدناه ، ومن سألنا أخبرناه . أيها الناس : إن الحق كان يطلب ضالّته فأصابها ، فصبرا يا معشر المهاجرين والأنصار على العصص ، فكأن قد اندمل شعب الشّتات ، والتأمت كلمة الحق ، ودمغ الحق الظّلمة ، فلا يجهلن أحد فيقول : كيف وأنّى ؟ ليقضى اللّه أمرا كان مفعولا . ألا وإن خضاب النساء الحناء ، وخضاب الرّجال الدماء ، ولهذا اليوم ما بعده . والصبر خير في الأمور عواقبا : إيها « 1 » في الحرب قدما ، غير ناكصين ، ولا متشاكسين » . ثم قال لها : واللّه يا زرقاء لقد شركت عليا في كلّ دم سفكه . قالت : أحسن اللّه بشارتك ، وأدام سلامتك ! فمثلك بشّر بخير وسرّ جليسه . قال : أو يسرك ذلك ؟ قالت نعم . واللّه لقد سررت بالخبر ! فأنى لي بتصديق الفعل ! فضحك معاوية ، وقال : واللّه لوفاؤكم له بعد موته أعجب من حبكم له في حياته ، اذكري حاجتك . قالت : يا أمير المؤمنين آليت على نفسي ألا أسأل أميرا أعنت عليه أبدا ، ومثلك أعطى عن غير مسألة ، وجاد عن غير طلبة . قال : صدقت ، وأمر لها وللذين جاءوا معها بجوائز وكسا . ( العقد الفريد 1 : 130 ، وصبح الأعشى 1 : 252 )
--> ( 1 ) إيها : كلمة زجر بمعنى حسبك ( وإيه بالكسر منونة وغير منونة كلمة استزادة واستنطاق ) والقدم : المضي أمام ، وهو يمشى القدم : إذا مضى في الحرب ، ورجل قدم : أي شجاع . وفي الحديث « طوبى لعبد مغبر قدم في سبيل اللّه » القدم : الإقدام ، أقدم على قرنه إقداما وقدما : تقدم عليه بجراءة صدر .